فلسَفةْ الحُب: تأمُّلات في رسائل غسّان
أُدركُ أن ما من سبيلٍ لفهم أي شيء في هذا العالم بشكل مُطلق – وبالأخصّ فِهم البشر أنفسهم– فكلٌ يُفكر كما يناسب هواه، وكما يحلو لمُناه، وأيٍّ منّا يملك الصدق الكامل؟ الذي يستطيع من خلاله الوقوف شامخًا آمنًا به مهما تجلّت أمام العيونِ عقباه؟. ووالله ما وجدتُ لنفسي إجابةً قاطعة، فكلُّ من على الأرض يتفرّدُ بفلسفته الخاصة عن الصدق، والتعلّق، والحب، وكل تلك المشاعر المعقّدة الأشبه بأرواحٍ لا تعرفُ سبيلاً إلى جسدها، فتَضِلّ الطريق، فتُعذَّب وتُعذِّب، وهذه الحياة في نظري غامضة، مامن سبيل فيها لإيجاد الصدق القاطع نِتاج كلماتٍ خرجت من أفواه أُناسٍ غير عالمين بماهية الإنسان في هذه الحياة، غير مؤمنين بقوة الله، ولم يتوصلوا لفهم أنفسهم بعد، فكيف لأيٍّ منّا أن يُلصق الحتمية على هؤلاء البشر وطبيعة مشاعرهم؟. أمَا والله ما أرى مشاعرهم سوى هشاشةٍ نفسية وروحٌ ضائعة في جسدٍ لا تنتمي له.
لنكون بمثلِ شفافية غسّان كنفاني في رسائله إلى غادة السمان
لعمري لم أشعر بدهشةٍ مثقلة بالضيق من رسائل إمرءٍ عاشق كما شعرتُ وأنا أقرأ رسائله، فإنيّ ما رأيتُ الحُب فيما كان يكتبه ذلكَ الرجل المُعذّب بقدرِ رؤيتي للتعلّق الجارف الأشبه بتعلّق الملحد بالحياة، كان غسّان من بين سطور رسائله يبدو لي كسفينة في بحرٍ بلا شاطئ ولا مرسى، سفينة تائهه وتتخبط في الأمواج العاثية، آملةً أن يقودها الموج إلى ميناء، غيرَ إنني لا أنكر وقع كلماته ولا أملك الحق لتكذيب مشاعره الجياشة تلك التي ما أحببتُ فيها سوى أنها تزيّنت بالأسلوب الأدبي الشاعريّ — وهو حتماً ما جعل الأغلب ينجرف مع مشاعر غسان ويتعاطف معه. لكنّ إنعكاسها عليّ كقارئة كان سلبياً بصدق، ربما هي تجربتي أنا وحدي وربما لا، ولن أكتب الكثير لأجعلها تبدو رؤية حتمية. لكن الشيء الحتمي المؤكّد هو أنّ ذلك الرجل كان يكتب لإمرأة أخرى متجاهلاً زوجته، وكانت رسائله أقرب ما يكون إلى الخيانة الملبوسة بالأدب. أما عن غادة فتقديري الوحيد لها ينحصر في أنها تقصّدت تجاهله وتركته معذباً رغم أنه قال أنّ ذلك سيزيده تعلقاً بها! — وهنا ندرك أن ما كان يشعر به ليس حبًا بقدر ماهو تعلق مُرهق حتى للقارئ نفسه، فكيف لمن تُكتَب له الرسالة، بل كيفَ لكاتبها نفسه؟. لا شكّ أن ذلك الرجل عاش تخبطًا في مشاعره ومعاناةً بائسة مليئة بالتوقّع والخيبات، ثمّ إن الحقيقة هيَ إنني لن أتمكّن البتّة من لومَ غسان على شعوره وعلى ضعفه وعذابه وعاطفته العارمة، فالمشاعر لا تشبه الخيارات ولا تلتقي بها كما لا يلتقي الفلقُ بالغسَق، لم يختر غسان من يحب، لم يختر ما يعيش، فإعتقادي أنّ الحُب بمنظوره هذا لم يُخلق ليعيشه كل إنسان، حتى في الزواج — وهذا الحُب ليسَ نِدّاً للمودة والرحمة — إنّه حُب ملطّخ بالشوائب وحبٌ سام لا علاج له، لم يكن خطأ غسّان بأنه شعرَ بكل هذا بقدرِ أنه أفصحَ عنه كمن يفصح عن الفضيلة، بينما كان عليه أن يخبئه كمن يخبئ الخطيئة، أما إن كان هناك ما يحقُّ لي أن ألوم غسّان عليه فسألومه على إختياراته، لا على مشاعره، فلو أنه رمى بنفسه في بئر الألم والعاطفة وسمحَ لنفسه بالهيجان والإنجراف مع عاطفته في قوقعته الخاصة دون أن يجرّ إليه زوجة وأبناء ويُشقي من لم يستحقّ الشقاء.. لكان شعوري عند قراءة رسائله أقرب ما يكون للإعجاب بدلاً من الإشمئزاز ..فأنا حقيقةً لم أستَفِد شيئًا من رسائله غير ما أثرى فكري عن الإنسان، ورحتُ أتساءلُ كيف أن الإنسان أشدّ عجبًا من كل شيء، وكيفَ أنه سريع التعلّق ببعيد المنال — فالممنوع مرغوب كما يُقال — وخلال قرائتي كنتُ أفكر في أمانينا عندما تكون بعيدةً عنا، أستشعر لذّتها وهي صعبة وبعيدة، وأتفكّر في شعورنا بالحمّاس والنشوة بمجرد التفكير بإحتمالية وقوعها، لكن بمجرد إمتلاك الإنسان ما يتمناه.. بمجرد خوضه تلك المسالك التي حَلُمَ بها، تبدأ تتجلى العادية أمامه، فيعتاد ويفقد الإنبهار ولهفة البدايات والشعور الأول، كل هذا يبدأ في التلاشي بشكل تدريجي، فالأُلفة تسلبُ اللذّة، إنّ ما يجعل الأمر يتفاقم ويبدو عظيمًا بشكل غير إعتيادي هو كونه ليسَ في متناولك، وصعب المنال وبعيدًا جدًا عنك، لا تراه دوماً أمام عينيك ولا تشعر به، فالإنسان المُبصر لن يُبهر دومًا برؤية السماء التي وُلد تحتها ورآها طوال حياته، بعكس الكفيف الذي لم يرى السماء وأبصَرَ فرآها. إنّ أقصى شعور الحب والصدق والإحترام والحياء يكون في البُعد، ففي البُعد حميمية أكبر من القُرب، وإنّ كونُ الحُب أُمنية لم تُعاش يبدو ذو قيمة، تماماً كالأرض التي لم تطأ عليها قدم، فبعضنا قد يكسر ما يلمسه، ولا يوجد صدقاً أشدّ ألمًا وحقيقةً من شيءٍ لم يُعاش، وقد قالت غادة لغسّان أن أجمل ما في علاقتهم بأنها لم تكون!. رغم إنّ ذلك أغضبَه — ما جعلني أدرك أنّ غسان لم يكن واعياً تمامًا بما يشعر به بقدرها على الأقل، لم أرى في غسان رجل عاشق، بقدر ما رأيت رجلاً يفتقر للحنان ربما، أو للوطن حتمًا، فرأى في غادة كل ما يفتقر إليه وهذا ما جعله يبدو متعلقًا، ساذجاً، صادقاً، هشّاً وشفافاً حدّ المرض.


أنا اتفق معاكِ جدًا، حُبهم كان حُب ممنوع قائم على لذّة الاستحالة، وكما قالوا "الممنوع مرغوب".
رسائل غسّان جميلة أدبيًا، ولكن الجمال الأدبي لا يُبرأ صاحبه أخلاقيًا.
واحتمال كبير إنّه لو حصل عليها كان هيملّ منها "مُجرّد افتراض" ، ولكن العلاقات التي تقوم على البُعد والاشتياق بنسبة كبيرة تفقد وهجها تدريجيًّا عندما تتحول إلى مسؤوليات.
اسلوب وتفكير رائع حرفياً، بعض الاشخاص الذي ينجذبون الى كلمات الحب والرسائل والوعود الذي يلقيه الشخص يجعلهم ينسون الحقائق والمبادئ والقيم