نَيْسان الماضي: حينَ إلتقيتُ فيودور دوستويفسكي
في شهر نَيسان الذي إحتضنَ غُربتي ووحدتي، وألقى عليّ من تجارب الفكر والحياة، في رِحاب المدينة التي احتوت أحلامي، قضيتُ نيسان في محاولة نسيان الشعور بالوحدة والإنغماس في أُنسه كما شاءَ وشئت، كنتُ لا أزالُ أحاول هضم فكرة العيش بمفردي والسَعي لأجل مستقبلاً بعيدًا لا ضمان له عندي سوى أمانيّ نفثتُها في يدي وودّعتها إلى الله، أحاول التعايش مع إنعدام الشهية وفقدان الرفقة والمؤانسة.
ثمّ أتى الفَجرُ يسلخُ دُجى الله ليَسدُل عليّ أشعَة شمسٍ عهدتها رؤوفةً بقلبي، عصيةً على خذلانه، ولم تنفكُّ تجعلني أسلو بقدومها وتسافرُ بيَ عبر أزمنةٍ ما وطئتها قدمايَ ولا عهدتُ زمانها. توقّف الزمن للحظة تبدو كالحقيقة ورأيتُني في عالمٍ آخر تماماً، أرى البشر من حولي يعبرون والكثيرُ من الأوجه التي ما استطاعت عينيّ تعريفها، أوجهٌ عابرةً لا أتذكر ملامحها، ومن بين تلك الأوجه التي ما ألفها قلبي وما لقيَت نفسي فيها مكاناً.. رأيتُ رجلاً ملتحياً، كان الوجه الوحيد الذي ألِفتهُ روحي وإستأنست به نفسي بين كل أولئك العابرين، كانت تلك اللحظة كواقعٍ مستميتٍ بحقيقةٍ ترفض الشكّ، لم أجرؤ في اللحظات تلك أنّ أتقدم بخطواتٍ نحوه، فقد كان لوجوده هدوءاً عجيبًا ووقار رجلٌ سلبته الحياة ما سلبت وبقيَ واقفاً مستسلماً لصواديف زمانها، يجدُ سلوته في سرد حكايا بشرٍ رآى نفسهُ من خلالهم، كان يجلسُ مكتوف الأيدي وصامتًا صمتًا يحكي الكثير، عيناهُ تجولُ في المارّة، يتأملُ الناس ولا يلفظ بقول .. وكانت نفسي تشعرُ بالوقت ينسحبُ منها وكأنّه المُتحكم بلحظاتها والمُهدد لها، كُنت أرجو أن أتحدث معه قبل أن يسرقني الوقت ويمضي بي في ظلال واقعي الوحيد، كانت خطواتي ثقيلة ومحسوبةً بدقّة، تقدّمتُ أخيراً، لا شجاعةً من نفسي التي ساورتها الأُلفة بالقربِ منه، بل خوفاً من الوقت الذي كان يهددني، وجلستُ أمامه ولفظتُ قولاً يتخللهُ ذهول طفلةٍ تقف أمام عوالمها الخيالية : إنّ كُتبك على رفوفِ مكتبتي، وها أنتَ ذا أمامي ؟
نظرَ إليّ بعيناه الغائرتين اللتان حملتا قصصًا كثيرةً وجالتَا في نفسِ البشرية وفي سبرِ أغوارها، ثمّ ابتسم بصمت. ذلك الرجل المعذّب بالفقر والصرَع وفقدان الولد، الرجل الذي ما حظينا برؤية إبتسامته وسعادته، قد ابتسم لي.
لم يكن فيودور الفقير، الحزين، المريض، الأب الفاقد، بل كان فيودور الذي تصالح مع الزمان وسلّمه نفسه، كان يبدو بخير جدًا وفي حالٍ لم يكن عليه في حياته، كان حالاً لاشكّ أنه قد تمنّاه، وقلتُ له بلهفة القارئة التي لم تعاصر كاتبها ولم تتذوّق عالمًا جديداً أو رأياً وكلمات حديثة منه : هل ستكتب روايةً جديدة ؟
رأيتُ في عينيه صدقَ كاتبٍ غادرَ الحياة وتوقفت حياته، ثمّ قال بحقيقةٍ قاسية : لا، لقد توقّفتُ عن ذلك.
في تلك اللحظة وفي ذلك العالم الذي كنتُ أطفو في سمائه، لم أتقبّل تلك الإجابة لأنه كان يجلسُ أمام ناظريّ، وبلهفةٍ أعمق قُلت مشرئبّةً نحوه : إكتب! أرجوك إكتب. وأردفتُ بلا معرفةٍ إن كان لي قصةً تستحقُ السرد : سوف أحكي لك قصتي، يمكنكَ الكتابة عن ذلك.
بدا الأمر وكأنّي أحاول إمداده بحبل الحياة الذي أملكهُ ولا يملكه، إذ كيف لميّتٍ أن يكتب قصة حي؟. كان اليأسُ يرافقني وربما أردتُ إقحام نفسي في عالمه لعلّي أراني من خلاله، أو ربما كان حنيني عارماً لدرجة التمسّك بأملٍ ضئيل، كنتُ كمَن يعدُ بشيءٍ لا يستطيعُ الوفاء به، وكان هو كمَن يتمسّك بقشة نجاة لتعيده لعالمه الذي تفرّد فيه، فأجابَ بالقبول.
رأيتُني بين الفينة والأخرى أتأمّل يده وأرى النمش الذي نقشه الزمن عليها، وأرى العروق تحت جلده الذي نضبَ وفقد رونقه. فوجدتني أتساءلُ هُنيهةً لما كنتُ أنظر إلى يده ولماذا رأيتُ كل تلك التفاصيل فيها ؟
وما وجدتُ إجابةً ذاتَ معنى غير أنّ تلك اليد هيَ التي كتبتْ الأدب الذي غزا عالمنا، والذي من خلاله رأيتُ نفسي تجولُ شوارع سانت بطرسبرغ وتتأمل أزقّتها وأروقتها العتيقة.
ثمّ فجأة رأيتُ شيئًا آخر، وكان من أغربِ ما رأيت..
كان يرافقُ طفلًا في السادسة من عمره، لكنني ما استطعت حفظ ملامح ذلك الطفل، لأنه كان يركض بكثرة بينما دوستويفسكي يلحقُ به بخوفٍ شديد خشيةَ أن يتوارى خلف العابرين ويضيعَ منه، كان لا يلهو الفتى ويمضي بين العابرين إلّا لحقَه فيودور كالمسكين الممتلئ خوفاً، يبحثُ عنه كمن فقد شيئًا وجده بعد طول غياب، كان ملتصقاً به ويجلسُ بجانبه ويحميه حتى من نفسه.
وكنتُ أنا هناك، أرى كل شيء، أرى خوفه وهلعه واضطراباته عندما يبتعد الفتى عن ناظريه، لكنني وفي تلك اللحظة لم أستطع التعرّف على ذلك الطفل، فرأيتني أتساءل وأنا أقفُ هناك أنظر للمشهد أمامي .. من هو؟
ومضى خيالي فيما مضى، وراح يفتّش في ماضي ذلك الكاتب العميق، فتذكرتُ أحبّ إنسانٍ لقلبه، ذلك الذي إعتدتُ رؤية إسمه بين كتبه، الذي سمّى البطل المقرّب لقلبه باسمه — أليوشا —
أيعقل؟ أن يكون هو إبنه أليوشا الذي فقده في عمر الثالثة ؟. وبدا لي ذلك القلق والخوف والتشبث الذي أبدتهُ نفسه منطقياً جدًا. فقد وجدَ إبناً فقده بسبب المرض الذي ورّثه إليه، لقد وجده في عالمٍ آخر وقد كبر ثلاث سنين أُخَر.
في آخر المطاف...
مضيتُ في طريقي وبدأت الرؤية تضمحلّ والضباب يتزايد ويبتلع كل العابرين، لقد تبيّن لي أخر الأمر أنّي لم أكن هناك حقًا، وأنّ دوستويفسكي لن يعود لكتابة شيءٍ جديد، وأنّ اللقاء هذا ماهو إلا حُلم.
استيقظتُ مضطربةً لما حلمتُ به، ما كُل ذاك؟ لا يمكن لتلك التفاصيل أن تكون عادية، فأنا وإنْ كنتُ من القُرّاء المعجبون بأدبه، لم أغوص في تاريخه بعمق ولم أكن أعرف كل تفاصيله!، لم أكن أدري عن إبنه أليوشا أساساً.
في نفس ذلك اليوم، بعد الحلم الذي أثارَ في نفسي العجبَ واختلجت فيه روحي، بعد ساعاتٍ ليستْ بالطويلة، كانت روحي محمّلةً بالعاطفة ورأيتني أتجولُ بين الكتب في المكتبة لعلّي أقتني كتابًا له، كنتُ في أوج شعوري بواقعية لقائي بكاتبي الحبيب، وماهي إلا بضعُ دقائق صفعتني بيد الحقيقة لتُديرَ وجهي نحو كتابه ( حُلم رجل مضحك ).


نص جميل ✨