أينَ يكمُن الجمال؟
هل سبَق لك يوماً أن تفكّرت فيما يقبع خلف الأقنعة؟ فيما يتوارى خلف كُل منظرٍ تسقط عينيك عليه؟. فنحن البشر بطبيعتنا نُحِبُّ الجمال وننجذبُ تلقائياً لأي منظرٍ جميل، قد تسقطُ أعيننا على كل منظر مُلفت دون أن نشعر، فنحن غالباً لا ندرك حجم الجمال الذي نراه وهل هو فعلاً كما نرى أم مجرد شكل كان القُبح مهندسه المعماري. نظرتنا للأمور غالباً سطحية، فقد ننظر لسطح البحر ولا نغوص في أعماقه.
تخيل لو رأيتَ منزل عظيم، لا ينقصه شيئًا من الجمال، من الطبيعي أنَّك ستُبهر، وربما تتمنى مثله، لكن ما لن ترى أبدًا هو ما بُنيَ هذا البيت منه، قد يكون ثمنه، دماء أبرياء، ظلم طفلٍ تُركَ بلا أحد، حقٌ سُلبَ من اليتيم، وكل ما يندرج تحت كلمة قُبح. ثم قد ترى إنسانًا بديع الجمال، ومالن تراه هو جوهر هذا الإنسان الجميل الذي قد يكون أقبح من كل ما هو قبيح، لكنَّ جماله كان كاللون الأبيض في لوحةٍ يقبع خلفها السواد، فالصور السيئة للمناظر من حولك تتوارى دوماً خلف ثوب الجمال.
لكن عندما ترى مبنى مُتهالك، غير مُكتمل، وكأنه تُركَ ليرى مصيره من الدُنيا، وحيدًا يتوسّده الظلام الدامس. إحذر من أن يعتريك النفور، والفزع، ففي جوفه قد نمت نبتةٌ خضراء بديعة الجمال، تفرّعت جذورها في أعماقه، وولدَ في نوافذه المُتهالكة أفئدةَ طيرٍ لا يناظرها فؤاد، لتُخبره أن ما قد يراهُ الناس موحشًا قد يكون يوماً مرسى للأمان.
ماري آن بيفان
يؤسفني حقًا بأنّك لو لم تكن تعرف إسمها، سيتوجب عليك الكتابة في محرّك البحث " أقبح إمرأة في العالم "
وهذا التعريف السطحي لها هو ما رآهُ البشر، ما تم تعريفه لنا وما تم إستغلاله وإلصاقه بها، والحُكم بهِ عليها، وإني بعد أن قرأتُ قصة هذه المرأة ما رأيتُ فيها سوى الجمال بعينه، فهي كالبحر عندما تراه لأول مره وعلى سطحه بعضاً من القاذورات التي رُميت عليه ولم تنبع منه، تراه للحظة فيعتريكَ النفور لكنَّكَ لن تعرف أبدًا السحر الذي في أعماقه.
السيدة ماري آن بيفان كانت إمرأة جميلة جدًا، بهيّة، كانت ممرضة، زوجة، أمًا لأربعة أطفال. لا تختلف عن أي إمرأة أخرى، لم تعرف تلك المرأة مصيرها المؤلم وما سيطبعُ العالم على جبينها من لقبٍ سيُكون مصيراً محتوماً، لن تستطيع السيطرة عليه أو رفضه.
عاشت كل دقيقة في عمرها ذاك وهي تظنُّ خيراً في مستقبلها وحياتها ومعيشتها، لم تفكر ولو للحظة بأن ذلك اليوم سيأتي عندما توفي زوجها وبدأت تظهر عليها تلك الأعراض التي ستُحدد مصيرها وتكتُب لها إسمًا غير إسمها وحياةً غير حياتها.
أُصيبت بيفان بمرض تضخم الأطراف، وهو ما أدى إلى تحوّلها للشكل الذي أصبحت عليه، لن يعرف الناس لها إسمًا آخر بعد الآن سوى "أقبح إمرأة" لن يتمُّ إعطاء الأهمية إلى شكلها من قبل بقدر شكلها بعد، فقد طمَسَ المرض كل لمحة جمال يمكن أن تُرى، وربما لن يتقبل الكثيرون ما كانت عليه من قبل.
لا يمكننا تخيل حجم المرارة التي عاشتها بيفان وهي ترى ملامحها تتضخم وجمالها ينطفئ كعود ثقابٍ في مهبِّ الريح، لم يفهم البشر ما تعانيه وما قاسته في كل يومٍ تستيقظ وهي ترى تحوّلها المُفزع، لم يعرف ذلك الشخص العابر الذي نظر إليها بنظرة الرعب والرهبة وهي تمرُّ من أمامه، ماهي عليه وما تشعر به، ولكن ما كان لدمعةٍ أو لحسرة أن تسيرَ عكس التيار، ما كان للعبرات وللشكوى أن تُغيّر الأحوال، تقبّلت بيفان ماهي عليه، ليس إستسلاماً للعالم البائس الذي ينظر إليها بأعين الإستنكار، وإنما لأجل صغارها الذين ما عاد لهم أحدٌ سواها، لن يفهم البشر شعورها وهي تنظر لأطفالها كل يوم وبأعينهم نظرات التساؤل عمّا حلّ بأمهم، تخلّت عن نفسها وأستمرّت لأجلهم. شاركت بيفان في مسابقة في السيرك وكان دورها تحت شعار " أبشع إمرأة في العالم "
قبِلت لنفسها هذا الإسم الذي لن يقبله أحد، فقط لأجل أطفالها، لأجل كسب المال وضمان معيشتهم في عالمٍ يسوده الفقر والأمراض، وهي أكثر من يعرف ما كانت عليه من قبل وأكثر من يعرف بأنها لا تستحق الفوز بهذا اللقب مُطلقاً، إلا أنها قبِلت، ومن يدري ما كان شعورها عند الفوز؟ أفرحةٌ؟ أم مأساة وخيبة لكونها فازت بلقبٍ كهذا ؟
ما كنتُ أحسبُ أن الفوز سيكون مؤلماً يوماً إلا عندما رأيتُه يختارها.
إستمرت بيفان في المشاركة في السيرك ليرى الناس كمية الرهبة والشكل الغريب بالنسبة لهم، ليستمتع الناس، ليشفقوا، ليضحكوا، ليفزعوا، ليشتموا ،وليسخروا، فقط لأجل ضمان معيشة أبنائها. كانت تتساءل " هل أستحق أن أكون أماً صالحة؟ أم الجمال هو ما يصنع الأم الصالحة ؟ "
أيُّ إنسان قادر على تحمّل مأساةٍ كهذه غير الأم؟
كان يتمُّ تجويلها في أنحاء شوارع بريطانيا ليُحظى الناس بنشوة النظر للشكل الرهيب الذي يمرُّ أمامهم، وكأنَّ ما يتم تجويله أمامهم ليسَ إنسان ذو مشاعر وأحاسيس، بل وحشٌ مُرعب. تحمّلت العذاب النفسي والجسدي نتاج مرضها، لكن ما كان على الفوز فعله لئلّا يخذلنا هو أن يُرينا بأنها لم تكن هي من تستحق ذلك اللقب الذي عرَّفوها به، بل من كان يجولُ بها في الشوارع لأجل المال، ومن كان يُشاهدها وينظر إليها بنظرة الإستنكار والفزع لأجل المتعة والدهشة، ومن طردها من عملها بسبب مظهرها بدون تفَهُّم بأن ماهي عليه ليسَ إلا مرضاً لم تختره لنفسها، لكننا لن نستوعب أبدًا الحجم الذي يمكن لغالبية البشر أن يصلوا إليه من البشاعة، فحتى الفوز نفسه لم ينجُ من ظلمهم.
عانت بيفان ودفعت ثمن مرضها، لكنّها نجحت بتوفير المعيشة لأطفالها، علّمتنا ماذا يعني الجوهر، كانت مدرسةً للصبر، للقوة، للأمومة، للجمال، كانت إمرأة حقيقية، تستحق لقب أجمل إمرأة في العالم، علّمتنا بأن الجمال لا يكمن في الجسد، وإنّما في الروح، وأن لو كان للجسد قيمةً ما دُفن وبُليَ تحت التُراب ووحدها الروح من صعدت للسماء..
ماتت بيفان بسبب مرضها الذي أعتبرته رغماً عنها فرصةً لضمان حياة أبنائها. وبعد أن كانت طريقاً للشفاء والعون، أصبحت أداة للرهبة والسُخرية.


ماري آن بيفان، امرأةٌ لم تكن سوى ظل لحنانٍ عظيم، تجسّدت فيها الأمومة بأثنى رؤاها، حين قررت أن تُطفئ وهج ذاتها لتضيء درب أولادها.
لم يكن المرض وحده ما التهم ملامحها، بل الفقر، والفقد، وليلٌ طويل من الوحدة والضغوط..
ضحت بنفسها، وخطت اسمها بألمٍ على لافتات السيرك لا لتُرى، بل ليأكل أولادها، ويناموا دافئين في ليالٍ قاسية.
طمست هويتها، وارتضت لقبًا لا يرضى به أحد، “أقبح امرأة في العالم”، لا طمعًا في شهرة، بل طلبًا للقوت، وبحثًا عن كرامةٍ لأبنائها ولو على حساب كرامتها.
كانت تمشي بين نظرات الناس، لا كامرأة، بل كـ "عرضٍ" يُثير السخرية، لكنها في قلبها أمٌّ تهدهد الخبز بدموعها، وتغزل الأمان من وجعها.
لم يعرفها العالم إلا من خلال قسوتهم، لكن من يعرف الأم، يدرك أن قلبها كان أجمل من وجهٍ شوهه الزمان.
وعلى هامش الحروف، أُهديك تهنئةً من قلبٍ بلّلته الدهشة،
مقالتكِ لم تكن نصًّا فحسب، بل يدًا امتدت لتوقظ الفكر وتُربّت على شعوري؛
نِعم ما أبدعتِ.
أجلس أمام هذه القصة كمن يجلس أمام مرآة مشروخة. ماري آن بيفان ليست قصة امرأة واحدة، بل محاكمة لكل منا.
أفكر في تلك اللحظة التي وقفت فيها أمام المرآة وهي ترى وجهها ينسحب من بين أصابعها كالماء. أن تصير غريبًا في جسدك، أن يصير وجهك مجرد ذكرى تتلاشى. هذا موت بطيء لا نفهمه حين ننظر بعجالة ونمضي.
الأكثر إيلامًا ليس المرض، بل تلك اللحظة التي قررت فيها دخول السيرك، أن تقبل لقب “أقبح امرأة في العالم”. انكسر شيء في داخلها لن يُجبر أبدًا، لكنها مضت لأن الأمومة كانت أقوى من الذل. هنا يكمن الجمال الحقيقي.
لكن دعونا نكون صادقين: نحن من كان سيذهب إلى ذلك السيرك. نحن من كان سيحدق. ليس لأننا أشرار، بل لأننا بشر محكومون بغريزة تجعلنا ننفر من المختلف. كنا سندفع ثمن التذكرة لنطمئن أنفسنا بأننا لسنا مثلها.
والحقيقة المؤرقة: لا نزال نفعل الشيء نفسه، لكن بأناقة أكثر. نكتب “أقبح امرأة في العالم” في محرك البحث ونشعر بالرعشة ذاتها.
نقول “الجمال في الروح” ونحن نعلم أننا نحكم من أول نظرة. كم منا كان سيجلس بجوارها؟
ما يبقى معي ليس قوة بيفان فقط، بل ضعفنا جميعًا أمام الشكل. لكنها كانت أجمل من كل من حكم عليها، لأنها اختارت الحب حين كان بإمكانها اختيار المرارة.
أغلق عينيّ وأتخيل أطفالها وهم ينظرون إليها، لا إلى ملامحها، بل إلى يديها التي تطعمهم. ربما هم وحدهم من رأوا الجمال الحقيقي. وربما الدرس الوحيد: أن الجمال ما نختار أن نراه حين نتجاوز
الخوف وننظر إلى الإنسان خلف القناع